الفصل 10:|رحلة الخلاص|
جلست هناك، على حافة الظلام، أستمع.. والغول، ذلك المخلوق القديم المرعب، بدأ يروي.
"كنت... شيئًا آخر... مرة..."
صوته كان مختلفًا الآن، أكثر هدوءًا، كأنه يتذكر شيئًا بعيدًا جدًا.
"قبل... البشر... قبل... المدن... كانت هذه الأرض... مختلفة... كنا... كثيرين... أمثالي..."
"كثيرين؟ تقصد كانت هناك مخلوقات أخرى مثلك؟"
"نعم... كنا... نعيش... في الظلام... تحت الأرض... في الكهوف... في الأعماق... كنا... نتغذى... على... طاقة الأرض... على... القديم..."
"لكن ماذا حدث؟"
"البشر... جاءوا... انتشروا... بنوا... حفروا... أخذوا الأرض... دفعونا... أعمق... أبعد... واحدًا تلو الآخر... أمثالي... ماتوا... أو... رحلوا... إلى أماكن... أبعد..."
صمت للحظة، والأعين الستة الحمراء تومض في الظلام.
"لكنني... بقيت... لأنني... كنت وحيدًا... خائفًا... لا أعرف... كيف أرحل..."
شعرت بشيء يتحرك في صدري. شفقة؟ تعاطف؟
"وعندما جاءت عائلة ويذرسبون..."
"وجدوني... استعبدوني... جعلوني... أداة... أطعموني... البشر... مقابل... قوتي... لعقود... قرون..."
"حتى جاءت إليزابيث."
"نعم... الطفلة... كانت... مختلفة... نقية... طيبة... رأتني... كـ... كائن... وليس... وحشًا..."
"فأحببتها."
توقف. الكلمة بدت غريبة، قادمة من مخلوق كهذا.
"نعم... أحببتها... مثل... ابنة... مثل... عائلة... الوحيدة... التي عرفتها..."
"ولهذا أنقذتها."
"نعم... ولهذا... أطلقتها... لتعيش... حياة... حقيقية..."
"وبقيت أنت هنا. وحيدًا مرة أخرى."
"نعم... وحيدًا... دائمًا... وحيدًا..."
الألم في صوته كان حقيقيًا، عميقًا، قديمًا.
نهضت، اقتربت من حافة الفتحة أكثر.
"هل تريد أن تموت؟ هل هذا ما تريده؟"
"أريد... السلام... أريد... النهاية... لكنني... لا أعرف... كيف..."
"ماذا لو كان هناك طريقة أخرى؟"
"طريقة... أخرى؟"
"نعم. ماذا لو... ماذا لو لم تبقَ هنا؟ ماذا لو رحلت، وجدت مكانًا آخر، مكانًا بعيدًا عن البشر، عن المدن؟"
"لا... أستطيع... هذه... أرضي..."
"لكنها لم تعد أرضك. البشر أخذوها. وسيستمرون في الأخذ. لن يتوقفوا أبدًا."
صمت طويل.
"إذًا... ماذا... تقترحين؟"
فكرت للحظة.
"تأتي معي."
"ماذا؟"
"تأتي معي. إلى مكان بعيد. مكان هادئ. حيث لا يوجد بشر، لا بناء، لا إزعاج. حيث يمكنك أن تنام... حقًا."
"أنتِ... تريدين... مساعدتي؟"
"نعم. لأنك أنقذتني. ولأنك... عائلة."
الكلمة خرجت قبل أن أفكر فيها. لكن بمجرد أن قلتها، عرفت أنها صحيحة.
هذا المخلوق، هذا الغول، كان جزءًا مني. جزءًا من ماضيّ، من دمي، من تاريخي.
وتركه هنا، وحيدًا، ليموت أو يُقتل... لم يكن صحيحًا.
"أين... هذا المكان؟"
"لا أعرف بعد. لكن سأجده. وسآخذك إليه."
"لماذا... تفعلين هذا؟"
"لأنني... لأنني متعبة من الموت. متعبة من الخسارة. وإذا كان بإمكاني إنقاذ شخص واحد، ولو كان وحشًا... سأفعل."
صمت.
ثم، ببطء، مد الغول أحد أطرافه الطويلة من الظلام.
لمس يدي برفق، مخالبه الحادة تتجنب جلدي بعناية.
"شكرًا... يا... ابنتي..."
الكلمة جعلتني أبتسم رغم الدموع التي بدأت تتجمع في عيني.
"على الرحب والسعة... يا أبي."
***
لكن الخطة لم تكن بهذه البساطة.
عدت إلى راميريز، أخبرته بما حدث، بما اكتشفت، بما أخطط له.
نظر إليّ كأنني فقدت عقلي تمامًا.
"تريدين... نقل الغول؟ إلى مكان آخر؟"
"نعم."
"لوميرا، هذا... هذا جنون."
"أعرف."
"كيف ستفعلين ذلك؟ كيف ستنقلين مخلوقًا بهذا الحجم، بهذه الخطورة؟"
"لا أعرف بعد. لكن سأجد طريقة."
وقف، بدأ يمشي في المكتب.
"حتى لو وجدتِ طريقة... إلى أين ستأخذينه؟"
"إلى مكان بعيد. ربما ألاسكا، أو كندا الشمالية. مكان بري، غير مأهول، حيث يمكنه العيش دون إيذاء أحد."
"وكيف ستصلين إلى هناك؟"
"سأقود. سأجد طريقة."
نظر إليّ طويلاً، ثم هز رأسه.
"هذا أكثر شيء جنوني سمعته في حياتي."
"أعرف."
"لكن..." توقف، تنهد بعمق. "لكن ربما... ربما هو الشيء الصحيح."
"ستساعدني؟"
"لا أعرف كيف يمكنني المساعدة، لكن... نعم. سأفعل ما أستطيع."
***
قضينا الأيام الثلاثة التالية في التخطيط.
راميريز استخدم علاقاته، وجد شاحنة كبيرة، مستعملة، لكن قوية. حاوية كبيرة في الخلف، معدنية، محكمة.
"ستكون كافية؟" سألت.
"يجب أن تكون. مبطنة من الداخل، منافذ تهوية، لكن لا نوافذ. لن يرى أحد ما بداخلها."
"جيد."
كما وجد خريطة، حدد طريقًا، مسارًا عبر طرق ثانوية، بعيدًا عن المدن الكبيرة، عن نقاط التفتيش.
"سيستغرق الأمر أسبوعًا على الأقل. ربما أكثر."
"لا بأس."
"ولديك ما يكفي من المال؟"
"سأدبر الأمر."
في الليلة الأخيرة قبل المغادرة، ذهبت إلى موقع البناء مرة أخرى.
نزلت إلى السرداب، حيث كان الغول ينتظر.
"حان الوقت. غدًا، سنغادر."
"أنا... خائف..."
"أعرف. أنا أيضًا. لكننا سنفعل هذا معًا."
"ماذا... إذا لم ينجح؟"
"سينجح. لأنه يجب أن ينجح."
***
في الصباح الباكر، قبل شروق الشمس، جاءت الشاحنة.
راميريز قادها بنفسه، أوقفها بجانب موقع البناء.
"جاهزة؟"
أومأت برأسي.
نزلنا إلى السرداب معًا. الغول كان هناك، ينتظر، جسده متوترًا.
"هذا... راميريز. إنه صديق."
الغول نظر إلى راميريز بحذر، لكنه لم يهاجم.
"مرحبًا." قال راميريز بصوت حذر.
"مرحبًا." رد الغول بذلك الصوت الهامس.
"حسنًا، علينا الصعود. الشاحنة في الأعلى."
كانت العملية صعبة.
الغول كان كبيرًا، ثقيلًا، ويتحرك بطريقة غريبة. لكن ببطء، بحذر، ساعدناه على الصعود من السرداب، عبر الأنقاض، إلى الشاحنة.
في اللحظة التي خرج فيها إلى الهواء الطلق، تجمد.
"ضوء... الشمس..."
"أعرف. لكن فقط لثوانٍ. ثم ستكون في الشاحنة، في الظلام."
واصلنا التحرك. بضعة أمتار فقط، لكنها بدت كأنها كيلومترات.
أخيرًا، وصلنا إلى الشاحنة. فتحنا الحاوية الخلفية.
"ادخل. ستكون آمنًا هنا."
الغول نظر إلى الداخل المظلم، تردد للحظة، ثم دخل.
أغلقنا الباب خلفه، قفلناه بإحكام.
راميريز نظر إليّ.
"هل أنت متأكدة من هذا؟"
"لا. لكنني سأفعله على أي حال."
"إذًا... حظًا سعيدًا."
صافحته، ثم صعدت إلى مقعد السائق.
أدرت المحرك.
الشاحنة اهتزت، بدأت تتحرك.
ومعها، بدأت رحلتنا.
أنا والغول.
عبر البلاد، نحو الشمال، نحو المجهول.
***
الأيام الأولى كانت الأصعب.
كنت أقود لساعات، أتوقف فقط للبنزين، للطعام، للنوم القليل في السيارة.
في الليل، كنت أفتح الحاوية قليلاً، أتحدث مع الغول، أتأكد أنه بخير.
"كيف حالك؟"
"جيد... مظلم... لكن... جيد..."
"هل تحتاج شيئًا؟"
"لا... فقط... استمري... في التحرك..."
"سأفعل."
مررنا عبر مدن صغيرة، قرى منسية، طرق فارغة تمتد إلى الأفق.
كلما ابتعدنا عن بلاكريدج، كلما شعرت بشيء يُرفع عن صدري.
ربما كان الثقل، ثقل الماضي، ثقل الذكريات.
***
في اليوم السابع، وصلنا إلى الحدود الكندية.
عبرنا بدون مشاكل. شاحنة قديمة، امرأة وحيدة، لا شيء مثير للشك.
واصلنا الرحلة شمالًا.
المناظر الطبيعية بدأت تتغير. أشجار أكثر، مباني أقل، طرق أضيق.
حتى وصلنا أخيرًا.
مكان في وسط اللامكان.
غابة كثيفة، جبال في البعيد، لا علامة على حضارة في أي اتجاه.
أوقفت الشاحنة.
نزلت، فتحت الحاوية.
"وصلنا."
الغول خرج ببطء، نظر حوله.
الهواء كان نقيًا، باردًا. لا أصوات سوى الريح في الأشجار، والطيور في البعيد.
"هذا... هذا..."
"منزلك الجديد. إذا أردت."
سار بضع خطوات، استنشق الهواء، لمس الأرض.
ثم استدار نحوي.
"شكرًا... شكرًا... يا ابنتي..."
اقتربت منه، وللمرة الأولى، لمسته بلا خوف.
وضعت يدي على جانب رأسه الكبير، نظرت في تلك الأعين الحمراء الستة.
"كن بأمان. عش بسلام. ولا تؤذِ أحدًا."
"أعدك..."
"أعرف."
ابتعد، بدأ يسير نحو الغابة.
ثم توقف، نظر إلي مرة أخيرة.
"سأتذكرك... دائمًا..."
"وأنا سأتذكرك."
ثم اختفى بين الأشجار، ذاب في الظلال، وكأنه لم يكن موجودًا أبدًا.
***
وقفت هناك لوقت طويل، أنظر إلى المكان الذي اختفى فيه.
ثم، أخيرًا، عدت إلى الشاحنة.
بدأت الرحلة العودة.
وحدي هذه المرة.
لكن ليس وحيدة.
لأنني الآن أعرف من أنا.
أعرف من أين أتيت.
وأعرف أن العائلة ليست دائمًا دمًا.
وأحيانًا، الوحوش ليست دائمًا أعداءً.
أحيانًا، هم فقط... وحيدون.
مثلنا جميعًا.